الموقع العربي الرسمي للجماعة الإسلامية الأحمدية

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

تفسير صحيح و موجز لسورة الفجر


تفسير صحيح و موجز لسورة الفجر



تشير كل الدلائل إلى أن سورة الفجر قد نزلت في أوائل العهد المكي فيما يقارب السنة الرابعة للبعثة. وتشير السورة في أوائلها إلى الفجر وإلى عشر ليال ثم إلى الشفع والوتر ثم إلى انقضاء الليل والليل إذا يسر، ثم تنتقل لتذكر قصص بعض الأقوام التي عاندت الأنبياء وقاومتهم، ثم لتذكر المصير الذي آلوا إليه. 
وقبل أن نشير إلى المقصود بالفجر والليالي العشر والشفع والوتر، ينبغي أن نتنبه إلى المضمون الذي تحتويه السورة وتحاول التأكيد عليه. إن السورة تذكر أولا عادا وثمود وقوم فرعون وتبين أنهم قد طغوا وبغوا بسبب ما امتلكوه من قوة وما حصلوا عليه من ازدهار دنيوي، مما حجب عنهم رؤية الحق واتِّباعه، فكانت النتيجة أنهم قد عذبوا عذابا أليما من الله تعالى الذي كان لهم بالمرصاد. 
ثم تنتقل الآيات لذكر أن الإنسان غالبا لا يحسن التصرف فيما أنعم الله عليه من نعم. فإن زاد الله له في النعمة طغى وبغى ومنع نعمة الله عن عباده، وإن أعطاه بقدر ولم يوسع عليه النعمة تجده حانقا جزوعا متذمرا. ثم يبين الله تعالى أن الإنسان غالبا، سواء في غناه أو في فقره أو في ازدهاره أو انحداره، لا يكرم اليتيم ولا يحض على طعام المسكين ويكون نهما تجاه ما يصل إليه من مال ويحب المال كثيرا. ولكن، لو بقيت حاله بهذه الطريقة فإنه سيقع تحت غضب الله تعالى وينال عقابه. وهذا العقاب قد يكون للإنسان بشكل مفرد كما للشعوب والأمم في أوقات معينة، كما أنه سيكون عقابا في الآخرة. وعندها سيندم على أنه لم يحسن التصرف في هذه الدنيا، ويتمنى لو أنه قد قدم لحياته الآخرة. 
وفي نهاية السورة يذكر الله تعالى النفس المطمئنة، وهي الحالة النفسية التي يصل إليها المؤمنون الذين أحسنوا في هذه الحياة الدنيا وفي ظل تلك الظروف من الغنى والفقر والازدهار والتراجع، وهذه النفس هي التي تكون هانئة في هذا الحياة، كما أنها ستدخل في رضوان الله تعالى في الآخرة. 
وهكذا، فإن هذه السورة تحذر بشكل كبير من المسالك التي تورد الناس الهلاك. فمن لم يحسن قد يقع في الهلاك وتحت طائلة عذاب الله، سواء كان في غنى وازدهار أو في فقر وتراجع. 
وبالعودة إلى أول السورة، وبفهم مضمونها، يصبح من السهل التعرف على ما تشير إليها التعابير الأولى وعلى رأسها الفجر. فالفجر يأتي بعد أن ينقضي الليل، والسورة تذكر عشر ليال ثم تذكر الشفع والوتر (أي الزوج والمفرد أو الاثنين والواحد). وبمعرفة تاريخ نزولها يمكن أن نفهم أنها قد تشير إلى سنوات البعثة التي كانت ثلاث عشرة سنة كان المسلمون يرزحون فيها تحت الظلم والاضطهاد، ثم بدأ بعدها الليل بالانقشاع شيئا فشيئا ليظهر فجر الهجرة الذي انقضت به سنوات الاضطهاد. كما قد نفهم من ذلك الإشارة إلى القرون الثلاثة الأولى من الإسلام (والشفع والوتر) التي كان فيها الإسلام في أوجه، ثم بدأ بالتراجع شيئا فشيئا مع بداية القرن الرابع. ثم بانقضاء القرون العشرة التي تعاظم فيها تراجع الإسلام حتى وصل إلى حالة مزرية بنهاية القرن الثالث عشر ظهر الفجر الذي يشير إلى بعثة الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام الذي بدأ به الليل بالانقشاع شيئا فشيئا. 
وهكذا فقد كانت السورة تتضمن بشرى للمسلمين في أوائل البعثة النبوية بأن الظلم سينقضي عنهم يوما وأن أعداءهم سيلاقون مصيرهم المحتوم، وهو مصير كل معاندي الأنبياء، كذلك تحذر السورة من إساءة التصرف الأن في الشدة كما بعد أن تستقر الأمور للمسلمين كي لا يعملوا بأعمال الطغاة الذين لم يحسنوا التعامل مع النعمة، وتحذر أيضا من إساءة التصرف في حالة التراجع والتقهقر أيضا في أي وقت من الأوقات، لأن إساءة التصرف في الحالين تورث عذاب الله في الدنيا والآخرة. كما تؤكد للمؤمنين على أهمية السعي للوصول إلى النفس المطمئنة التي ستدخل الإنسان في رضوان الله في ظل كل الظروف مهما كانت. وتبشر السورة المؤمنين في المستقبل بانقضاء زمن تراجع الإسلام وقدوم الإمام المهدي والمسيح الموعود، كما تؤكد على تحذيرهم من إساءة التصرف بعد هذه البعثة أيضا.

منقول
الخميس، 24 مايو 2012

الصوفية و المهدي



إلى الصوفية




هل يمكن أن يتحقق كلام أئمة التصوف ؟ أم يبقى كلامهم نظري فقط ؟

من الفرق الإسلامية من يرى أنه فى آخر الزمان سيظهر كائن جبار يسمى الدجال وسينزل عيسى بن مريم (عليه السلام) الذي كان رسولا إلى بني إسرائيل سينزل من السماء لقتل هذا الكائن الضخم وسيظهر فى تلك الفترة ملك أو خليفة عادل يتلقب بالمهدي ليقيم المملكة الإسلامية وبمساعدة عيسى بن مريم عليه السلام ستغزو المملكة الإسلامية كل العالم وتخير الناس بين الإسلام أو القتل حيث أن الجزية ستُلغى ويحل محلها الإسلام أو القتل .

ويعتمدون فى هذا التفريق بين شخصية المهدي وشخصية المسيح على الأحاديث النبوية التي تذكر المهدي بأنه من آل محمد (صلّى الله عليه وسلّم) وأسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم . أما المسيح فمعروف انه من بني إسرائيل وقد رفع إلى السماء فى وجهة نظرهم وسينزل منها . ونحن لا ننكر هذه الأحاديث ولكن لا نأخذها على ظاهرها وإنما نفهما ونعقلها ونعتمد فى فهمنا على كتاب الله القران الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه واله وسلم وأقوال العلماء والأئمة . وهنا لابد من توضيح بعض الأمور الهامة التي تساعدنا فى فهم وجهة نظر الجماعة الإسلامية الاحمدية .


معنى ( آل محمد )

لابد أولا من فهم معنى ( آل محمد ) حتى يتسنى لنا فهم جملة أن المهدي من آل محمد
يقول الإمام محي الدين بن عربي فى الفتوحات المكية :

"و( الآلُ) يُعَظّمُ الأشخاص . فَعُظْمُ الشخص فى ( السراب ) يسمى ( الآل )
فـ ( آل محمد ) هم العظماء بمحمد . ومحمد صلى الله عليه وسلم مثل السراب يُعَظِّمُ من يكون فيه , وأنت تحسبه محمد العظيم الشأن , كما تحسب السراب ماءاً وهو ماء فى رأى العين . " انتهى

ومعنى هذا الكلام أن كلمة ( آل ) فى اللغة العربية تعنى السراب . ومعنى آل محمد هو الشخص الذي إذا رأيته حسبته محمداً من شدة ما بينهما من تشابهه فى الخُلُق ولكن ليس هو محمد على الحقيقة . كما أنك ترى السراب فى الطريق أو فى الصحراء تحسبه ماء وهو ليس بماء على الحقيقة . وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ( خُلقه خُلقي ) وقوله عليه الصلاة والسلام ( اسمه اسمي ) فالاسم يأتي بمعنى الصفة كما نقل الله تعالى عن عيسى عليه السلام ( ومبشراً برسولٍ يأتي من بعدي اسمه أحمد ) فالرسول الذي جاء بعد المسيح اسمه محمد فدل ذلك على أن كلمة " اسمه " فى الآية ليس الاسم الذي سيُعرف به بين الناس وإنما معناه صفته أنه كثير الحمد . والخلاصة من ذلك أن الإمام المهدي سيكون مظهراً كاملا للنبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأيته فكأنما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بخلقه وصفته .


المهدي منا أهل البيت

نأتي الآن إلى معنى قول النبي صلى الله عليه وأله وسلم أن المهدي من أهل البيت وهنا انقل كلام الشيخ محي الدين بن عربي فى الفتوحات المكية المجلد الحادي عشر حيث يقول :

" ولما كان رسول الله صلى الله عليه وأله وسلم عبداً محضاً قد طهره الله وأهل بيته تطهيرا , واذهب عنهم الرجس وهو كل ما يشينهم – فإن الرجس هو القذر عند العرب هكذا حكي الفراء. قال تعالى " إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ".

فلا يضاف إليهم إلا مُطهر ولابد . فإن المضاف إليهم هو الذي يشبههم . فما يُضيفون لأنفسهم إلا من له حكم الطهارة والتقديس . فهذه شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم لسلمان الفارسي بالطهارة والحفظ الإلهي والعصمة حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ( سلمان منا أهل البيت ) "  ثم يقول الشيخ " فدخل الشرفاء أولاد فاطمة كلهم ومن هو من ( أهل البيت) مثل سلمان الفارسي إلى يوم القيامة فى حكم هذه الآية . " انتهى

وهذا هو معنى وصف النبي صلى الله عليه وسلم للمهدي أنه من أهل البيت أي انه مُطهر ومقدس وداخل فى نطاق هذه الآية مثل سلمان الفارسي .   


إطلاق أسم الشيء على شبيهه

هذه نقطة مهمة , هل يمكن أن يُطلق اسم شيء ما على شيء آخر لوجود تشابهه بينهما ؟
الجواب نعم وقد استخدم القران الكريم هذه الطريقة فى قوله تعالى فى سورة الشعراء :
" فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) ".

يقول الله تعالى هنا بعد أن ذكر قصة موسى عليه السلام مع فرعون , أن الله سبحانه وتعالى قد اخرج فرعون وقومه من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم وذلك بإغراقهم فى اليم وأن الذي ورث هذه الحياة الكريم والملك العظيم هم بنو إسرائيل , ومن المعروف أن قصة فرعون مع موسى قد حدثت فى مصر . فهل ورث بنو إسرائيل ملك مصر ؟ لا ولكنهم ورثوا ملك فلسطين . إذاً كيف يقول الله تعالى (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)؟
الجواب هنا هو المشابهة أي أن الله قد أعطى لهم ملك فلسطين الذي يشبهه ملك مصر فكأنهم قد ورثوا ملك مصر .

إذاً عندما نقول أن معنى مجيء المسيح عيسى بن مريم يعنى شخص من الأمة الإسلامية يشبهه فى الفضل فقولنا ليس ببدعة وقد أستخدمها القرآن الكريم نفسه . كذلك أطلق النبي عليه الصلاة والسلام على أبى جهل لقب فرعون كما ورد فى كتاب البداية والنهاية
عندما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقتولا فقال الحمد لله الذي قد أخزاك الله يا عدو الله هذا فرعون هذه الأمة . مع أن أبا جهل لم يكن مصريا ولا فرعونيا ولكن لأنه قام بأعمال عدائية ضد النبي محمد صلى الله عليه وسلم مثل التي قام بها فرعون ضد موسى عليه السلام فأستحق أن يُطلق عليه اسم فرعون.


علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل

وفى قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( العلماء ورثة الأنبياء ) وقوله ( علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل ) فى ذلك دلالة على أنه يمكن لعالم ربانيّ من الأمة الإسلامية أن يصل إلى درجة نبي من الأنبياء السابقين ويدعى فى السماء باسمه . وقد ذكر الشيخ محي الدين بن عربي فى كتابه الفتوحات المكية كلاما لطيفا عن وراثة العلماء للأنبياء حيث
يقول فى المجلد الرابع " فالوارث الكامل من الأولياء منا , من انقطع إلى الله بشريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن فتح الله له فى قلبه فى فهم ما انزل الله عز وجل على نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بتجلي إلهي فى باطنه . فرزقه الله الفهم فى كتابه عز وجل وجعله من المُحدثين فى هذه الأمة . فقام له هذا مقام الملك الذي جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم رده الله إلى الخلق يرشدهم إلى صلاح قلوبهم مع الله , ويفرق لهم بين الخواطر المحمودة والمذمومة . ويبين لهم مقاصد الشرع وما ثبت من الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما لم يثبت , بإعلام الله ( آتاه رحمة من عنده , وعلمه من لدنه علما ) فيُرقى هممهم إلى طلب الأنفَس بالمقام الأقدس , ويرغبهم فيما عند الله , كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تبليغ رسالته . غير أن الوارث لا يحدث شريعة ولا ينسخ حكماً مقرراً . لكن يُبين . فإنه على ( بينة من ربه ) وبصيرة من علمه , (ويتلوه شاهد منه ) بصدق أتباعه . وهو الذي أشركه الله تعالى مع رسوله صلى الله عليه وسلم فى الصفة التي يدعو إلى الله فأخبر تعالى وقال : "أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي " وهم الورثة . فهم يدعون إلى الله على بصيرة . وكذلك شركهم مع الأنبياء عليهم السلام فى المحنة وما ابتلوا به فقال " إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنْ النَّاسِ "  وهم الورثة فشرك بينهم فى البلاء , كما شرك بينهم فى الدعوة إلى الله . " انتهى

يقول فى المجلد الرابع  "ومن الرجال الواصلين , من ليس لهم معرفة بهذا المقام , ولا بالأسماء الإلهية . ولكن لهم وصول إلى حقائق الأنبياء ولطائفهم . فإذا وصلوا , فُتح لهم باب لطائف الأنبياء , على قدر ما كانوا عليه من الأعمال فى وقت الفتح . فمنهم من تتجلى له حقيقة موسى – عليه السلام- فيكون موسوي المشهد . ومنهم من تتجلى له لطيفة عيسى .وهكذا سائر الرسل . فيُنسب ( الواصل ) إلى ذلك النبي بالوراثة , ولكن من حيث شريعة محمد صلى الله عليه وسلم المقررة من شرع ذلك النبي , الذي تتجلى له " انتهى
ثم يقول فى المجلد الحادي عشر " فمن كرامة رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم محمد أن جعل من أمته وأتباعه رسلاً وإن لم يرسلوا . فهم من أهل المقام الذي منه يرسلون وقد كانوا أرسلوا . فاعلم ذلك ! ولهذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة إسرائه بالأنبياء عليهم السلام فى السماوات لتصح له الإمامة على الجميع " انتهى
نفهم من هذا أن فى هذه الأمة من وصلوا إلى درجة النبوة وهذه كرامة للنبي صلى الله عليه وسلم ولهذه الأمة . كذلك نفهم من كلامه عن الوراثة انه يمكن لشخص من الأمة الإسلامية أن يصل إلى مقام نبي من الأنبياء السابقين فيظهر بمظهر هذا النبي . وهذا ما قصده النبي صلى الله عليه وسلم عندما وصف المهدي بأنه عيسى بن مريم أو المسيح . وقد ذكر الشيخ محي الدين أيضا فى كتابه الفتوحات المكية كلاما بهذا المعنى إذ يقول فى قصيدة له :

كل من أحيا حقيقته
وشَفَى من علة الحُجُب
فهو عيسى لا يناط به
عندنا , شئ من الريب
فلقد أَعطت سجيته
رتبة تسمو على الرتب
بنعوت القدس تعرفه
فى صريح الوحي والكتب
لم ينلها غير وارثه
صفة فى سالف الحقب
فسرت فى الكون همته
فى أعاجيم وفى عرب
فبها تحيا نفوسهم
وبها إزالة النوب

توضح هذه القصيدة أن الإنسان إذا سمى فى روحانيته وإيمانه ووصل إلى درجة عيسى بن مريم يصبح هو نفسه عيسى بن مريم . وهذا ما نقوله نحن عندما نذكر أن المسيح الآتي فى آخر الزمان هو مثيل للمسيح الاسرائيلى عيسى بن مريم فكيف يصبح كلامنا بدع من القول أو لم يقل به أحد من علماء الأمة ؟

ثم يقول بن عربي تحت عنوان ( الشريعة المحمدية وعالمية وارثيها ) :

"اعلم أيدك الله أنه لما كان شرع محمد صلى الله عليه وسلم تضمن جميع الشرائع المتقدمة وانه ما بقى لها حكم , فى هذه الدنيا إلا ما قررته الشريعة المحمدية فبتقريرها ثبتت . فتعبدنا بها نفوسنا من حيث أن محمد صلى الله عليه وسلم قررها , لا من حيث أن النبي المخصوص بها , فى وقته قررها . فلهذا أوتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
( جوامع الكلم) فإذا عمل المحمدي فلا يخلو عمل هذا العامل من هذه الأمة أن يصادف فى عمله , فيما يفتح له منه فى قلبه وطريقه , ويتحقق به طريقة من طرق نبي من الأنبياء المتقدمين , مما تتضمنه هذه الشريعة …. فإذا فتح له فى ذلك فأنه ينتسب إلى صاحب تلك الشريعة فيقال عيسوي , أو موسوي , أو إبراهيمي . وذلك لتحقيق ما تميز له من المعارف وظهر له من المقام جملة ما هو تحت حيطة شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ." انتهى

يتضح من هذا الكلام أنه قد يحصل فرد من المسلمين مرتبة نبي سابق من الأنبياء فيظهر ذلك الشخص المسلم وكأنه مسلم بصبغة موسوية أو عيسوية أو إبراهيمية . وهذا الكلام يجرنا إلى الحديث عن استمرار النبوة.


ما هي النبوة

النبوة منزلة يعينها الله سبحانه وتعالى ويحصل عليها الإنسان بأخلاقه الصالحة وأعماله الحسنة تعرفها القلوب ولا تنكرها العقول وتوافق الأغراض وتزيل الأمراض فإذا وصلوا إلى هذه المنزلة فتلك منزلة الأنباء الإلهية المطاق لكل من حصل فى تلك المنزلة من رفيع الدرجات ذي العرش  وهى مستمرة إلى يوم القيامة .يقول محي الدين بن عربي فى الفتوحات المكية المجلد الثاني عشر :

" فالنبوة سارية إلى يوم القيامة فى الخلق , وإن كان التشريع قد انقطع فالتشريع جزء من أجزاء النبوة فإنه يستحيل أن ينقطع خبر الله وإخباره من العالم , إذ لو انقطع لم يبق للعالم غذاء يتغذى به فى بقاء وجوده " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً " و " وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " وقد أخبر الله انه ما من شيء يريد إيجاده إلا ويقول له كن . فهذه كلمات الله لا تنقطع , وهى الغذاء العام لجميع الموجودات . فهذا جزء واحد من أجزاء النبوة لا ينفد . فأين أنت من باقي الأجزاء التي لها ؟ " انتهى

ويقول فى موضع آخر " فما ارتفعت النبوة بالكلية . ولهذا قلنا إنما ارتفعت نبوة التشريع فهذا معنى ( لا نبي بعدى).


ويتلوه شاهد منه

لقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم الشاهد الآتي من بعده بأنه المهدي الذي خُلُقه كخُلُق النبي صلى الله عليه وسلم واسمه اسم النبي صلى الله عليه وسلم وقد بينا ذلك من قبل , كذلك وصفه بأنه عيسى بن مريم . وبهذا قد جمع هذا الشاهد صفات عيسى عليه السلام وصفات محمد صلى الله عليه وسلم . يقول ابن عربي فى كلامه عن عيسى عليه السلام فى المجلد الثاني عشر من الفتوحات المكية :

" وأما ختم الولاية العامة الذي لا يوجد بعده ولى فهو عيسى عليه السلام – ولقينا جماعة ممن هو على قلب عيسى عليه السلام وغيره من الرسل  . بأي صفة يكون ذلك المستحق لذلك ؟ الجواب : المستحق لختم الولاية العامة يكون بصفة الأمانة . فبيده مفاتيح الأنفاس وحالة التجريد والحركة وهذا هو نعت عيسى عليه السلام كان يحي بالنفخ وكان من زهاد الرسل وكانت له السياحة وكان حافظا للأمانة مؤديا لها ولهذا عادته اليهود " انتهى
يذكرني هذا الكلام بوصف النبى صلى الله عليه وسلم للمسيح الآتي فى آخر الزمان عندما قال ( لا يحل لكافر يجد ريحه إلا مات ) فكلام ابن عربي وكلام النبي صلى الله عليه وسلم يوضحان ما هي صفة عيسى ومن يقوم مقام عيسى فى ختم الولاية العامة وهو ذلك الشاهد الآتي بعد الرسول صلى الله عليه وسلم . ثم يوضح ابن عربي وصفه لذلك الشخص الذي سيكون ختم الولاية المحمدية فيقول :

" وأما الصفة التي استحق بها خاتم الولاية المحمدية أن يكون خاتما فبتمام مكارم الأخلاق مع الله . وجميع ما حصل للناس من وجهته من الأخلاق " انتهى


الشاهد الآتي

إذاً هذا هو المعنى الحقيقي لنزول المسيح وخروج المهدي , فهو رجل يجمع فى ذاته اسم النبي أي صفته ومن أهل بيته, وفى نفس الوقت قد حاز مقام عيسى بن مريم عليه السلام وورث روحانيته وصفته أيضا . فهو ذلك الشاهد الذي أخبر به القرآن الكريم " ويتلوه شاهد منه " . والشخص الوحيد الذي أعلن أنه هو الإمام المهدي وهو المسيح الموعود هو حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام , وهذه ملاحظة جديرة بالاهتمام فكل أدعياء المهداوية فى السابق كانوا يدعون المهداوية فقط , ولم يقل واحد منهم أنه هو المهدي والمسيح لأنهم لم يفهموا سر كلام الرسول صلى الله عليه وسلم فظنوا أن المسيح الموعود هو عيسى الذي كان على قيد الحياة منذ ألفى عام , والمهدي هو خليفة عادل أو ملك صالح يقيم الدولة الإسلامية , ولهذا وبالرغم من تحقق الكثير من الأحاديث فى شخوصهم ومع ذلك لم يكن واحد منهم هو الإمام المهدي فعلا . وبالتالي فإن إعلان حضرة ميرزا غلام أحمد عليه السلام أنه هو الإمام المهدي والمسيح الموعود يوضح أنه لم يكن ليعلن هذا من تلقاء نفسه . وإنما بعدما تلقاه من الوحي الذي يخبرنه أنه هو المسيح الموعود.

منقول

شبهة "نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر"




الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه سلم :

( فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، نصرت بالرعب مسيرة شهر، أحلت لي الغنائم، جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، أرسلت إلى الخلق كافة، ختم بي النبيون.) رواه مسلم

يثير بعض الأخوة من النصارى شبهة على المسلمين تتمثل بقوله (صلّى الله عليه وسلّم) "نُصِرتُ بالرعب مسيرة شهر" وأن ذلك يبين والعياذ بالله دموية الإسلام وقسوته، والجواب على ذلك هو الإنتباه الى لفظ النبي (صلّى الله عليه وسلّم) حيث لم يقل حضرته "نُصِرتُ بالدماء" بل قال (صلّى الله عليه وسلّم) "نُصِرتُ بالرعب" وكان حضرته يشير الى غزوة تبوك، ونقرأ في الموسوعة الحرّة حول غزوة تبوك ما يلي :

 غزوة تبوك وقعت في رجب التاسع للهجرة، على أعقاب فتح مكة، وهي آخر غزوة خاضها الرسول، بدأت بأن خطط الرومان على إنهاء القوة الإسلامية التي أخذت تهدد الكيان الروماني المسيطر على المنطقة، فخرجت جيوش الروم العرمرية بقوى رومانية وعربية تقدر بأربعين ألف مقاتل قابلها ثلاثين ألف من الجيش الإسلامي، فانتهت المعركة بلا صدام أو قتال لأن الجيش الروماني تشتت وتبدد في البلاد خوفاً من المواجهة، مما رسم تغيرات عسكرية في المنطقة، جعلت حلفاء الروم يتخلون عنها ويحالفون العرب كقوة أولى في المنطقة.

وقال ابن حجر في فتح الباري : ( مفهومه أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا ).

 و حيث أن المشركين هربوا قبل المواجهة مع جيش المسلمين قبل مسيرة شهر فيكون ذلك بيان فضل الله تعالى على عباده المخلصين و إظهار السلام الحقيقي في الإسلام ووضوح عدم رغبته بالقتال ضد أحد حتى لو كان العدو وهو منسجم مع قول الله تعالى "كُتِبَ عليكم القتال وهو كُرْهٌ لكم" فالقتال مكروه لدى المسلمين المؤمنين، بل إنّ هذه الآية الكريمة بكل جلاء تظهر مدح الله للمؤمنين حيث يصرح الحق تعالى أن القتال هو مكروه وأنه آخر الحلول بالنسبة للمؤمنين فسبحن الله تعالى لهذا الوضوح.

لقد حرض الله المسلمين على القتال ضد المعتدين كوسيلة لإخافتهم لمّا يعلموا الإستعداد الكامل من جانب المسلمين لمواجهتهم ويدركوا أن المسلم لا يخشى الموت لأنه يعتقد اعتقاداً راسخاً أنه ذاهبٌ الى جنة الخلود والبقاء فكان الرعب ألقي في قلوب المحاربين من المشركين المعتدين على المسلمين فهربوا قبل المواجهة؛ يقول المولى عز وجل "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم" فالإعداد لقتال المشركين المعتدين القصد منه إذاً دفع الضرر وإرهاب العدو بغية إثناءه عن القتال، ويشدد الله على عدم الإعتداء على الآخرين بقوله "قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين".

ان الإسلام العظيم يحث على صيانة حقوق الآخرين، يقول سبحانه وتعالى "وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا" فبيّن أن القتال يجب أن يكون دفاعاً عن ممتلكات الآخرين ولها الأولوية ثم في الأخير ذكر مساجد المسلمين. ينصح قراءة هذه المقالة.

 ان الإسلام يكره القتال حسب ما وضحناه آنفاً والنبي (صلّى الله عليه وسلّم) إستقبل وفد نجران في مسجده وفرش لهم ثيابه للصلاة وهم كانوا نصارى ووصى بعدم إيذاء أهل الذمة أي أهل العهود وهم أصحاب الديانات الأخرى ووصى بالأقباط وغيرهم ما لا يحصى عدده. إذن هذا الحديث كله رحمة وعظمة للإسلام الحنيف ونحمد الله تعالى على إظهار جمال الإسلام على يد ألد الأعداء وأشدهم كرهاً له نسأل الله تعالى الهداية لنا ولإخواننا الضالين عن الصراط المستقيم "اللهم إغفر لهم فهم لا يعلمون" !


مسلم لله
الثلاثاء، 22 مايو 2012

التفسير المقارن.. خلق الطيور وإحياء الموتى

التفسير المقارن.. خلق الطيور وإحياء الموتى



"وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ" (آل عمران)
المثل تعبير تصويري لتوضيح فكرة عن طريق التشبيه والتمثيل، وذلك لأغراض منها تسهيل إيصال الفكرة، ومثاله: "قولك للرجل يتردد في الشيء بين فعله وتركه: أراك تقدّم رِجْلاً وتؤخّر أخرى. فالأصل في هذا: أراك في تردُّدِك كَمَنْ يقدِّم رِجْلا ويؤخّر أخرى. ثم اختصر الكلام وجعل كأنه يقدِّم الرجل ويؤخرها على الحقيقة".

وقد استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب عشرات المرات، كما في قوله تعالى {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}.


كما استخدم الرسول (صلّى الله عليه وسلّم)  هذا الأسلوب مرارا وتكرارا، كما في قوله:

 أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ قَالُوا لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا قَالَ فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا. (البخاري)
وقد أكثر المسيح عليه السلام من استعمال التمثيل كثرة بالغة حتى يبدو أنه لم يكن يتحدث إلا بها، وللتدليل على ذلك أكتفي بسرد مقتطفات مما جاء في الإصحاح 13 من سيرة المسيح التي كتبها متّى، حيث قال: "فِي ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجَ يَسُوعُ مِنَ الْبَيْتِ وَجَلَسَ عِنْدَ الْبَحْرِ، 2فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ، حَتَّى إِنَّهُ دَخَلَ السَّفِينَةَ وَجَلَسَ. وَالْجَمْعُ كُلُّهُ وَقَفَ عَلَى الشَّاطِئِ. 3فَكَلَّمَهُمْ كَثِيرًا بِأَمْثَال قَائِلاً:«هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ، 4وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ، فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. 5وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ، حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ، فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. 6وَلكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. 7وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ، فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. 8وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَرًا، بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ. 9مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ، فَلْيَسْمَعْ.........24قَدَّمَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ قِائِلاً:«يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَانًا زَرَعَ زَرْعًا جَيِّدًا ........31قَدَّمَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ قَائِلاً:«يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ حَبَّةَ خَرْدَل أَخَذَهَا إِنْسَانٌ وَزَرَعَهَا..... 33قَالَ لَهُمْ مَثَلاً آخَرَ:«يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ خَمِيرَةً أَخَذَتْهَا امْرَأَةٌ وَخَبَّأَتْهَا فِي ثَلاَثَةِ أَكْيَالِ دَقِيق حَتَّى اخْتَمَرَ الْجَمِيعُ». (متى 13)
ثم علّق متّى بقوله: هذَا كُلُّهُ كَلَّمَ بِهِ يَسُوعُ الْجُمُوعَ بِأَمْثَال، وَبِدُونِ مَثَل لَمْ يَكُنْ يُكَلِّمُهُمْ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ الْقَائِلِ: سَأَفْتَحُ بِأَمْثَال فَمِي، وَأَنْطِقُ بِمَكْتُومَاتٍ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ. (متى 13)

فإذا كان القرآن يستخدم التمثيل بكثرة، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم، وهكذا المسيح عليه السلام، وكذلك الناس عبر التاريخ، فلماذا لا يكون الكلام المنسوب للمسيح في القرآن الكريم من باب التمثيل أيضًا خصوصا أنه امتاز بذلك جدًّا؟ 

فهذه الآية "أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ".. "تعني أنه إذا اتصل بالمسيح شخص عادي وضيع النشأة، ولكنه يمتلك القدرة الفطرية على النمو والارتقاء، وقَبِلَ رسالته، فإن حياته تتحول تحولا كاملا، من رجل يتمرّغ في الوحل، ولا يرى ما وراء اهتماماته الدنيوية وحاجاته المادية، فإذا به يتشكل طيرا محلقا في أجواء السماوات الروحانية. وهذا هو عين ما حدث. إن جماعة الصيادين في منطقة الجليل الذين كانوا محطّ احتقار لوضاعتهم، استحالوا إلى طيور محلِّقة بفضل الدّفعات الكريمة في تعاليم سيدهم، وأصبحوا هم أنفسهم معلمين ربانيين يرشدون بني إسرائيل، ويتحملون كل أنواع العذاب والأذى، ويقدمون التضحيات التي يزدان بها تاريخ أية أمة" 
أما قوله "وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَص" فكما أن الخلق كان خلقا روحانيا، فإن المرض الذي كان يشفي منه مرض روحاني كذلك. إن رسل الله تعالى أطباء روحانيون. انهم يمنحون البصر لمن فقدوا بصيرتهم، والسمع لمن صمّت أرواحهم، ويبعثون إلى الحياة مَن ماتت قلوبهم وضمائرهم... فالأكمه هو الذي لا يرى في الليل، وهذه الصفة ترمز إلى الشخص الذي يمتلك نور الإيمان ولكنه ضعيف لا يستطيع الصمود أمام الإبتلاء؛ إنه يرى في النهار ما دامت شمس الإيمان مضيئة ولا يحجبها غمام التجارب؛ أما عندما يظلم الليل، وتنسدل عليه ستائر الامتحان، ويحتاج الأمر إلى التضحية والفداء، فإنه يفقد الرؤية الروحانية ويقف في مكانه لا يتحرك. وبالمثل فإن كلمة "الأَبْرَص" تعني روحيًّا الشخص الناقص الإيمان، الذي يشوب جلده السليم بقع من الجلد المريض". وقد استخدم القرآن الكريم مثل هذه التعبيرات، كما في قوله تعالى "صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ". 

"ولا يعني قوله "وَأُحْيِي الْمَوْتَ" أنه قد قام فعلا بإعادة الحياة إلى من توفاه الله. إن الذين يموتون موتا حقيقيا لا يمكن مطلقا أن يعودوا إلى الحياة في هذه الدنيا. إن مثل هذا الاعتقاد يتعارض تعارضا تاما وتعاليم القرآن المجيد، إذ يقول تعالى "حَتَّى إِذَا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُون" (المؤمنون)، "وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنهُمْ لا يَرْجِعُونَ" (الأنبياء)". وهناك رواية قاطعة في دلالتها، وهي قصة استشهاد أبي جابر الأنصاري وتمنيه العودة إلى الحياة ليُقتل ثانية، فقد أخرج الترمذي في سننه عن جابر بن عبد الله قال: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا قَالَ أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ." 

والقرآن الكريم يعبر صراحة عن منح الحياة إلى موتى الروح بإحياء الموتى "أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام)، "لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَن حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ" (الأنفال)، "لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا" (الفرقان)، "لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ" (يس). "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ". والمقصود بالحياة هنا هو الحياة الروحية والفكرية، إذ لا يعتقد أحد من المسلمين أن النبيّ (صلّى الله عليه وسلّم)  قد أعطى الحياة الجسدية لشخص مات جسمه.

ولقد سردت الآية الكريمة معجزات عيسى عليه السلام بترتيبها الطبيعي. فأول الأمر ذكرت التغيير في مظهر وطريقة الحياة لدى الذين اتصلوا به ولزموه. لقد تحوّلوا من أهل دنيا إلى رجال ربّانيين؛ وارتفعوا وسموا من التراب إلى أجواء الفضاء. ثم ذكرت الآية بعض العلل والأمراض الروحانية الشائعة التي شفاهم منها المسيح عليه السلام، إذ حصل العميان على البصيرة الروحية، وشُفِي ذوو الآفات الجلدية من دائهم. وأخيرا أعلنت الآية أن الموتى اكتسبوا حياة روحية جديدة على يد عيسى عليه الصلاة والسلام. وهذا الذي سردته الآية ليس ترتيبا طبيعيا فحسب، وإنما هو نوع من التدرج في الترقي؛ بلغ ذروته بالنسبة لإصلاح الفرد عندما تمت معجزة بعث الموتى إلى حياة روحية جديدة. ولكن إذا أُخِذت الآية بمدلولها الحرفي، فلن يبدو منها أي ترتيب في حدوث تلك المعجزات. فأين الترتيب في أحداث كخلق الطير من الطين، وشفاء الأعمى والأبرص، وإحياء الموتى؟"
"والذروة الحقيقية في آيات المسيح أو معجزاته تأتي في قوله "وَأُنَبِّئُكُمْ بمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ". يقول أبو البقاء أن لفظتي "نبّأ" و "أنبأ" استُعملتا في القرآن الكريم لإعلان الأمور المتصفة بالأهمية البالغة. ويتضح من هذا أن عيسى عليه السلام قد أعلن لأتباعه أمورا ذات أهمية عظمى. والعبارة المستعملة من قبيل التشبيه والاستعارة، فـ"تَأْكُلُونَ" تعني تُخْضِعون، فالعبارة"وَأُنَبِّئُكُمْ بمَا تَأْكُلُونَ" تعني أخبركم بما سوف تُخضعون. أي أخبركم بالفتوحات المقدّر لكم أن تقوموا بها في المستقبل. وقوله "وَمَا تَدَّخِرُونَ في بُيُوتِكُمْ" تعني وسوف أطلعكم على الأعمال التي يجدر بكم أن تخلفوها لذريتكم من بعدكم".

جاء في سيرة ابن هشام أن بيْحَرَة بْن فِرَاسٍ قال حين دعا الرسولُ (صلّى الله عليه وسلّم)  قومَه إلى الإسلام: "وَاَللّهِ لَوْ أَنّي أَخَذْت هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ لأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ". وليس المقصود أنه سيأكل العرب كما يؤكل الطعام، إنما يعني أنه سيُخْضعهم. وهذا التعبير مستخدم في عامّيتنا وفُصحانا. 


نقض التفسير التقليدي

التفسير التقليدي لا يأبه كثيرا بالسياق والمنطق، وإلا فما علاقة خلق العصافير بإبراء الأكمه والأبرص؟ وما علاقة هذا بالإنباء عن حلويات؟

ثم لا يتنبه إلى أي ترتيب منطقي، وإلا فهل يُقدَّم إبراء الأكمه على إحياء الموتى؟ وهل يُجمع هذا كله مع مجرد إخبار الأطفال بما خبأته لهم أمهاتهم من فاكهة!!

والأهم من ذلك كله أن التفسير التقليدي يصطدم بآيات قرآنية قاطعة في دلالتها، ففي مسألة الخلق هناك الكثير من الآيات التي تبيّن أن الله وحده هو الخالق، وأنه خالق كل شيء.. لنقرأ هذه الآيات: "قُل اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الرعد)، "وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٌ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ" (النحل)، "إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ" (الحج)، "وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلا حَيَاةً وَلا نُشُورًا" (الفرقان)، "هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُوني مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ" (لقمان) "قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُوني مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ في السَّمَاوَاتِ" (الأحقاف). أما الإحياء المادي فهو لله وحده، فو المحيي وحده، وأما مهمة الرسل فهي الإحياء الروحاني كما تقدَّم. 

أما قصص الأناجيل التي تتحدث عن إحياء المسيح لبعض الناس من الموت، فهي مبالغة، وإحداها تشير إلى أن المسيح أقام صبيّة من النوم، حيث كانت تبدو كالميتة، ولكنها لم تكن كذلك. ونحن لا ننكر أن المسيح قد شفى المرضى من ذوي الأمراض المزمنة وغيرها، ولا ننكر أن الآية تحمل هذا المعنى أيضا. 

ما خطورة التفسير التقليدي؟ 

1)إصباغ صفات الألوهية على البشر ودعم عقيدة الثالوث، فإذا كان المسيح يخلق ويحيي فماذا تبقى له ليكون إلهًا؟

2)رفعُ قدر المسيح أكثر من سيدنا محمد (صلّى الله عليه وسلّم)  الذي وصفه الله تعالى بخاتم النبيين، وهو وصف يدل على الكمال في كل مزيّة، فما من معجزة أوتيَها السابقون إلا وأوتي محمد (صلّى الله عليه وسلّم)  أعظم منها، وإذا قلنا إن المسيح خلق وأحيا فمن يسبقه في هذا؟ 

3)اللامنطق، إذ هل يمكن أن يغفل كتبة الأناجيل عن مسألة خلق المسيح للعصافير لو حدثت، بل إن الوضع الطبيعي أن يبالغوا في المسألة، كما رأينا في مسألة إحياء الموتى، أما أن لا تُذكر رغم الحاجة الماسّة إليها لإثبات ألوهية المسيح أو المبالغة في شأنه فهذا غير معقول بحال. 

4)العشوائية، إذ ما مبرر انفراد المسيح بهذه المعجزات؟ ولماذا كان يشفي من هذين المرضين فقط؟ لماذا لم يكن يداوي مختلف الأمراض لو كانت المسألة مادية فقط؟ ولماذا لم يكن يخلق أغناما وأبقارا ما دامت لديه مثل هذه القدرة الإلهية؟ لماذا لم يطلب صحابته منه أن يخلق لهم سمكا وطعاما وشرابا فيستريحون من العمل والصيد؟ 

وأقصى ما يُمكن أن يُنتقد به تفسيرنا هو أننا فسرنا الطير بالأناس ذوي المراتب الروحانية العالية، وقد ذُكر في مقالات سابقة أن الله تعالى قد وصف رفيعي الدرجات من المؤمنين بالطير كما في قوله "وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ". وأما الأكمه والأبرص الروحانيين فما الفرق بينه وبين وصف الصمّ والبكم والعمي الذي تكرر في وصف الكافرين في القرآن الكريم؟ وأما إحياء الموتى فما الفرق بينه وبين ما وُصف به رسولنا (صلّى الله عليه وسلّم)  في قوله تعالى "اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"؟ 

ماذا بقي إذن؟ هل جريمتنا في أننا نفسر القرآن بالقرآن؟ هل جريمة أن نُنـزِّه القرآن عن التناقض والخرافات؟ هل جريمة أن نركِّز على العِبَر والمواعظ؟ هل جريمة أن يكون التفسير مُنسجمًا متكاملا متآزرا يشدّ بعضه بعضًا؟

منقول

قصيدة يا عين فيض الله والعرفان


قصيدة للإمام المهدي u في مدح سيّده المصطفى r




يـا عينَ فيـضِ اللهِ والعِــرفانِ 

يَسعَى إليكَ الخَلْقُ كالظَّمـآنِ

يا بَحر فَضلِ المُنعِمِ المنّانِ

تهوي إليك الزُمَرُ بالكيزانِ

يا شمسَ مُلكِ الحُسنِ و الإحسانِ

نَوَّرتَ وجهَ البَرِّ و العُمرانِ

قوم رأوك وأمـةٌ قد أُخــــبرتْ

مِن ذلك البدر الذي أصـباني

يبكون من ذكر الجمـــال صبابةً

و تألُّماً من لَوعَةِ الهِجرانِ

وأرى القلوبَ لدى الحناجِرِ كُربَةً

وأرى الغروبَ تُسيلُها العينانِ

يا من غدا في نورهِ و ضيائهِ

كالنَيّرَينِ و نوَّرَ المَلَوانِ

يا بدرنا يا آيةَ الرحمٰنِ

أهدى الهُداةِ و أشجَعَ الشُجعانِ

إني أرى في وجهكَ المُتهَلّلِ

شأناً يفوقُ شمائلَ الإنسانِ

وقد اقتفاكَ أولو النُهى و بصِدقِهِم

وَدَعُوا تَذَكُّرَ معهَدِ الأوطانِ

قد آثروكَ و فارقوا أحبابَهُم

و تباعدوا من حَلْقةِ الإخوانِ

قد وَدَّعوا أهوائَهُم و نفوسَهُم

و تبرَّؤوا من كلِ نَشبٍ فانِ

ظَهَرَت عليهِم بَيِّناتُ رسولِهِم

فتَمَزَّقَ الأهواءُ كالأوثانِ

في وقتِ تَرويقِ الليالي نُوِّروا

و اللهُ نجاهُم من الطوفانِ

قد هاضَهُم ظُلمُ الأُناسِ و ضَيمُهُم

فتَثَبَّتوا بِعنايةِ المنّانِ

نَهَبَ اللِئامُ نشوبَهُم و عِقارَهُم

فتَهَللّوا بِجواهرِ الفُرقانِ

كَسحوا بيوتَ نفوسِهم و تبادروا

لِتَمَتُّعِ الإيقانِ و الإيمانِ

قاموا بإقدامِ الرسولِ بغزوهِم

كالعاشِقِ المشغوفِ في المَيدانِ

فدَمُ الرِجال لصدقِهِم في حُبِّهِم

تحتَ السيوف أُريقَ كالقُربانِ

جاءوكَ منهوبينَ كالعُريانِ

فسَتَرتَهُم بِملاحِفِ الإيمانِ

صادفتَهُم قوماً كرَوثٍ ذِلَّةً

فجعلتَهُم كسبيكَةِ العِقيانِ

حتى انثنى بَرٌّ كمِثلِ حديقَةٍ

عَذْبِ الموارِدِ مُثمرِ الأغصانِ

عادت بلادُ العُربِ نحو نَضارَةٍ

بعد الوجى والمَحْلِ و الخُسرانِ

كان الحِجازُ مَغازِلَ الغزلانِ

فجَعَلتَهُم فانين في الرحمٰنِ

شيئانِ كان القومُ عُمْياً فيهما

حسوُ العُقارِ و كثرةُ النسوانِ

أما النساءُ فحُرِّمَتْ إنكاحُها

زوجاً له التحريمُ في القرآنِ

و جَعلْتَ دَسكْرةَ المُدامِ مُخَرَّباً

و أزلتَ حانتها من البُلدانِ

كَمْ شارِبٍ بالرَّشْف دَنًّا طافِحًا 

فجعَلتَه في الدِّين كالنَّشـوانِ

كَمْ مُحْدِثٍ مُستـنطِقِ العِيدانِ 

قد صـارَ مِنك مُحدَّثَ الرحمنِ

كَمْ مستهامٍ لِلرَّشُوفِ تعشُّـقًا 

فجـذَبتَه جَـذْبًا إلى الفُرقانِ

أَحييتَ أمواتَ القـرونِ بِجَلْوةٍ 

ماذا يُماثِلكَ بهـذا الشــانِ

تَرَكُوا الغَبوقَ وبدَّلوا مِن ذَوقِـهِ

ذوقَ الدعاءِ بِليلةِ الأَحْــزانِ

كانوا برنّاتِ المثاني قبلها

قد أُحصِروا في شُحِّها كالعاني

قد كانَ مَرتَعهُم أغاني دائماً

طوراً بغيدٍ تارةً بدِنانِ

ما كان فكرٌ غيرَ فِكرِ غواني

أو شُربِ راحٍ أو خَيالِ جِفانِ

كانوا كمشغوفِ الفسادِ بجهلِهِم

راضين بالأوساخِ و الأدرانِ

عيبانِ كان شِعارَهُم من جهلِهِم

حُمْقُ الحِمارِ و وثبةُ السِرحانِ

فَطَلَعْتَ يا شَمسَ الهُدى نُصحاً لَهُم

لتُضيئَهُم من وَجهِكَ النّوراني

أُرسِلتَ من ربٍّ كريمٍ مُحسِنٍ

في الفِتنةِ الصَمّاءِ و الطُغيانِ

يا لَلفتَى ما حُسـنُه وجَمالُــهُ

رَيـّاهُ يُصبِي القَلبَ كالرَّيحانِ

وجهُ المهيمِنِ ظاهِــرٌ في وجهِهِ

وشُـئونُهُ لَمَعتْ بـهذا الشانِ

فلِذا يُحَبُّ ويَستَحِقُّ جَمالُهُ

شَغَفاً به من زُمرَةِ الأخدانِ

سُجُحٌ كريم باذلٌ خِلُّ التُقى

خِرقٌ وفاقَ طوائفَ الفِتيانِ

فاقَ الورى بكمالهِ و جَمالِهِ

و جلالِهِ و جنانهِ الريّانِ

لا شَكَّ أن مُحمـدًا خيرُ الْوَرى 

رَيْقُ الْكِـرامِ ونُخْبةُ الأعيـانِ

تَمَّتْ عليـهِ صِفاتُ كُلِّ مَزِيّـةٍ 

خُتِمتْ به نَعْماءُ كُلِّ زمــانِ

واللهِ إن مُحمـدًا كَـــرَدافةٍ 

وبهِ الْوُصولُ بِسُدّةِ السُّـلطانِ

هو فَخرُ كُلِّ مُطهَّرٍ ومُقــدَّسٍ 

وبه يُباهي الْعَسكرُ الرُّوحـانِي

هو خيرُ كُلِّ مُقـرَّبٍ مُتقـدِّمٍ 

والفَضـلُ بالخيراتِ لا بِزَمـانِ

و الطَلُّ قد يبدو أمامَ الوابِلِ

فالطَلُّ طَلٌّ ليسَ كالتَهتانِ

بَطلٌ وحيدٌ لا تطيشُ سِهامُهُ

ذو مصمياتٍ موبِقُ الشيطانِ

هو جَنَّةٌ إني أرى أثمارَهُ

وقطوفُهُ قد ذُلِّلَت لجَناني

ألفَيتُهُ بَحرَ الحقائِق والهُدى

و رأيتُهُ كالدُّرِّ في اللمَعانِ

قد ماتَ عيسى مُطرِقاً و نَبِيُّنا 

حَيٌّ ورَبِّي ، إنَّهُ وافاني

واللهِ إني قد رأيتُ جَمالَهُ

بعيونِ جِسمي قاعِداٍ بمكاني

ها إن تََظَنَّيتَ ابنَ مَريَمَ عائِشاً

فعليكَ إثباتاً من البُرهانِ

أفأنتَ لاقيتَ المسيح بيقظةٍ

أو جاءكَ الأنباءُ من يقظانِ

انظر الى القُرآن كيف يبيِّنُ

أفأنتَ تُعرِض عن هُدى الرحمٰنِ

فاعلَم بأنَّ العَيشَ ليسَ بِثابِتٍ

بل ماتَ عيسى مِثلَ عَبدٍ فانِ

و نَبِيُّنا حَيٌ و إني شاهِدٌ

و قد إقتَطَفتُ قَطائِفَ اللُقيانِ

ورأَيتُ في رَيعانِ عُمْري وَجهَـهُ

ثُمّ النـبيُّ بِيَقظتي لاقــاني

إني لقد أُحيِيتُ مِـن إحيـائه 

وَاهًا لإِعْجازٍ فما أَحْــياني!

يَا رَبِّ صَلِّ على نَبِيِّك دائِــمًا 

في هذهِ الدنيا وبَعْثٍ ثــانِ

يا سيّدي قد جئتُ بابَك لاهـفًا 

والقومُ بالإكفــارِ قد آذاني

يَفري سِهامُكَ قَلبَ كُلِّ مُحارِبٍ

و يَشُجُّ عزمُكَ هامةَ الثُعبانِ

للهِ دَرُّكَ يا إمامَ العالَمِ

أنتَ السبوقُ و سيِّدُ الشُجعانِ 

اُنْظُـرْ إليّ برحمـةٍ وتحــنُّـن 

يا سـيِّدِي أنا أحقَـرُ الْغِلمانِ

يا حِبِّ إنك قد دَخَلْتَ مَحـبّةً

في مُهْجَتي ومَـدارِكي وجَناني

مِن ذِكر وَجْهِكَ ياحديقةَ بَهجَتي

لَـمْ أَخلُ في لَحْظٍ ولا في آنِ

جسمي يَطِيرُ إليكَ مِن شوق عَلا

يا ليتَ كانت قـوّةُ الطيَرانِ


الاثنين، 21 مايو 2012

كذب بولص

كذب بولص



{فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ صِدْقُ اللهِ قَدِ ازْدَادَ بِكَذِبِي لِمَجْدِهِ، فَلِمَاذَا أُدَانُ أَنَا بَعْدُ كَخَاطِئٍ؟} ( رُومِيَةَ 3 : 7)"

بهذه الفقرة السابعة من الإصحاح الثالث من رسالته إلى أهل رومية، لخص بولس منهج المسيحية القائم على الكذب. وللحق هو ليس أي كذب، بل هو كذب لمجد الله لزيادة صدقه لا كذب عليه! فهل من العدل إدانة هذا الكاذب الشريف الذي يسعى من وراء كذبه أن يزداد صدق الله؟!

عجيب أمر بولس هذا، الذي استخف بأهل رومية وبكل المسيحيين من بعد، وجعل من حقيقة بسيطة كهذه، وهي أن من يقترف الكذب هو كاذب خاطئ مدان، تُقرأ بالمقلوب، بل ويصبح القول بها على وجهها الصحيح مثيرا للاستغراب! والحقيقة أنه ليس صعبا أن يكتشف أي متدبر لرسائله ومتتبع لمنهجه أنه يقوم على قلب الأمور وتحويلها لكي تُفهم بعكس ما هي عليه في كثير من الأحيان.

فلسفة بولس باختصار قائمة على استغفال الناس والاستخفاف بهم وإدخالهم في أجواء روحانية مزعومة دون أية ضوابط. بل ربما يكون الضابط الأساس هو مخالفة المألوف والالتفاف عليه لإثبات أن هذا المخالف للمألوف يؤدي الغرض أكثر من المألوف لو تناولناه بشكل روحاني. والأمثلة على ذلك كثيرة، لكن يكفي مراجعة مثال الختان الذي اجتهد في شرحه ليقلبه وليجعل عدم القيام به إنما هو ختان روحاني!

أما الرد على استفهامه الإنكاري وتعجبه فأقول: نعم يا بولس، فأنت مدان حسب اعترافك بالكذب لمجد إلهك في سبيل إظهار صدقه. ولكن أي مجد هذا، وأي إله هذا الذي يحتاج إلى كذبات بولس؟! هو حتما ليس الله تعالى الذي استعاروا اسمه من الإسلام ووضعوه في تراجمهم العربية، ولكنه إله بولس الواحد المثلث أو الثلاثة الموحد!

هذا الإله باختصار هو إله المسيحية المصنوع من الكذب، والذي يزداد مجده بكذبات بولس، كما ازداد مجده تاريخيا بكذبات من لحق ببولس من الكاذبين أمثاله. وتصلح هذه الفقرة من عهدهم الجديد في كتابهم المقدس أن تكون عنوان عمل المسيحية في هذا الفترة بشكل خاص، والتي تعاظم فيها الكذب حتى وصل إلى حدود غير معقولة تتكشف للناس يوما فيوما.

وعودة إلى تلك القاعدة البولسية، فيكون بلا شك الأكثر كذبا لأجل مجد الرب هو الأكثر تقدما في المسيحية والأعلى منزلة، وهو إذ عمل على زيادة صدق ذلك الإله، لذا فالإله مدين له أيضا! وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. ليكذبوا لمجد إلههم أكثر، كي يزداد صدقه أكثر! وهنيئا للكاذبين.. عفوا … هنيئا للممجدين لهذا الرب والعاملين على زيادة صدقه!

ولأجل الحقيقة ومن باب العدل، فلا بد من تحليل تلك الفقرة لرؤية ما تقول. ومع أننا لا نلزمهم بالنص لأنه مترجم وليس موحى به، مع العلم أننا نقبل أن يحاكمونا على نص القرآن كلمة كلمة، فنحن ملزمون به، إلا أننا سنلتمس لهم عذرا ولن نلجأ إلى جعل التعابير تطبق على رقابهم، وسنركز على الفكرة التي نرحب بمحاولة دفاعهم عنها إن استطاعوا. وبالنظر إليها نجد أمرين خطيرين؛ الأول هو الاعتقاد بأن صدق الله يزداد! والثاني الاعتقاد بأن الكذب هو وسيلة زيادة هذا الصدق! وأحد الأمرين أسوأ من الآخر.
أولا، إن صدق الله مطلق، ومن الجهل وسوء الأدب الاعتقاد بأن هذا الصدق يزداد بأي وسيلة كانت، فكيف إن كانت الوسيلة الكذب! أما لو قال قائل إن الصدق المقصود هنا هو الحقيقة، وهي التي قد تكون خافية على الناس. ولكن هذا لا يحل المشكلة أيضا، وهذا لأن الحقيقة تنكشف ولا تزداد. فلو قلنا إن المترجمين قد أخطأوا والتمسنا لهم العذر، فإن المشكلة لم تحل بعد.

إننا لو سلمنا جدلا أن الصدق المقصود هنا هو كشف الحقائق، فما زالت الفقرة تتضمن مغالطة منطقية وأخلاقية. فالمغالطة المنطقية قائمة على أساس أن الكذب نقيض الصدق، فكيف يمكن أن يزيد النقيض نقيضه؟! أما المغالطة الأخلاقية فهي اتخاذ وسيلة قذرة للوصول إلى هدف شريف، وهي الذرائعية أو البراغماتية التي يبدو أن بولس سبق فيها ميكافيللي! هذا المنهج قد يكون مقبولا عن بعض السياسيين الذين لا يقيمون وزنا للأخلاق ولا يبحثون إلا عن المصالح، ولكن أن يكون هذا منهجا دينيا فهو أمر لا يمكن قبوله.

إن هذا الإله العاجز الذي يحتاج إلى كذب بولس أو كذب غيره لزيادة صدقه، أو لكشف الحقائق الخاصة به، لا يستحق أن يعبد. فالإله الحق هو الله الحق جل وعلا، ولا سبيل للوصول إليه إلا بالحق، ولا يمكن كشف الحقائق التي أوجدها إلا بتحري الحق والصدق. هذا هو إله الإسلام الذي يدعو المسلمين دائما إلى تحري الصدق والحق في كل الظروف. هو الإله الذي أمر الإنسان بالصدق وأمره ألا ينظر إلى عواقبه حتى وإن كانت ظاهريا ستؤدي إلى ضرر فادح للشخص نفسه أو لأقرب المقربين له. فيقول تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (النساء 136)

كما لا يقبل إله الإسلام منا أن نكذب على من كذبوا علينا، بل علينا بالتزام الصدق حتى وإن ظننا أن فيه خسارة لنا. حيث يقول تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( المائدة 9)

والحق أن المسيحية في أول عهدها تعرضت إلى كثير من المظالم والافتراءات على يد اليهود وغيرهم. وقد عانى المسيحيون معاناة شديدة بسبب الظروف التي نشأت فيه دعوتهم. فالمسيح الذي جاءهم، والذي كان ملك اليهود الموعود الذي كان من المنتظر أن ينهض بحالهم، جاء بغير أب أولا. فاتهم اليهود أمه بالزنا بشكل فج ومقذع. حتى إن التلمود قد أورد قصة عنه تفيد أن أمه حملت به سفاحا وهي حائض من روح شريرة! (انظر كتاب التلمود بلا قناع للقسيس أي بي برانيتس The Talmud Unmasked By Reverend I.B Pranaitis) ثم ما إن بدأت دعوته تظهر حتى نجح اليهود في دفع الرومان إلى صلبه ومن ثم موته على الصليب أخيرا. وهكذا فقد أصبح ملعونا وفقا للتوراة! فماذا كانوا سيفعلون مقابل هذا الأمر؟ هو رجل مشكوك في مولده ومات ميتة ملعونة، فكيف يمكن أن يدافعوا عنه؟! فلم يجدوا غير الكذب أمامهم لكي يحاولوا الالتفاف على هذه الأمور المحرجة.

فحول مجيئه بدون أب، الأمر الذي لا مجال لإنكاره، وجدوا أن الوسيلة المثلى هي الادعاء بأنه ابن الله! وهكذا لن يخجلوا من تلك الولادة بعد. أما بخصوص موته على الصليب، فكان لا بد من جعل هذا الحدث المخزي هو الحدث الأهم الذي تنتظره البشرية. فأقروا بأنه مات ملعونا على الصليب، ولكن ملعونا من أجل البشرية وفداء لها! وكان صلبه في حقيقة الأمر تضحية إلهية كبيرة! وهكذا عندما وجدوا أنفسهم عاجزين عن الدفاع عن صورته الظاهرية المحرجة كما كانوا يرونها، رفعوه إلى مرتبه الآلهة. بينما لو التزموا الصدق وقالوا إنه رسول الله الذي عانى في سبيل دعوته، والذي سيشهد الله على صدقه ولو بعد حين، لكان خيرا لهم وأقوم. ولكن أنى لهم ذلك!

ولقد جاء الإسلام بشهادة براءة المسيح وبتصديق رسالته وإظهار طهارته وطهارته أمه. وقد أعلن القرآن الكريم أن المسيح لم يكن ابن زنا، ولكنه بالمقابل لم يكن ابن الله، بل كان ابن أمه فقط الذي جاء بقدرة الله. وهكذا فقد أبطل مسألة الزنا وشهد مع المسيح ضد الظالمين من اليهود. أما بخصوص موته الملعون على الصليب فقد أعلن القرآن الكريم أنه لم يحدث! فلم يمت على الصليب ولم يقتل، بل حدثت شبهة في الأمر وظن اليهود والنصارى ذلك. ومع أن بعض المفسرين المسلمين لاحقا تخيلوا قصصا وهمية غير صحيحة لنجاته من الصليب، إلا أن المسلمين لا يختلفون في مسألة النجاة من الصليب بحد ذاتها، مهما اختلفت التفاصيل.

إن هذا الإعلان قوبل بالترحاب، وأدى إلى التقريب بين المسلمين وبين النصارى في بداية البعثة الإسلامية. ولا شك أن المسيحي الحقيقي سيقدّر دوما الخدمة التي قدمها القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم من خلال الشهادة بصدق المسيح وبراءته وأمه. وقد قدّر ذلك النجاشي والمقوقس بل وهرقل أيضا. ويمكن استشفاف هذا الأمر من سلوك هؤلاء الملوك والحكام النصارى الذين أكرموا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعربوا عن تقديرهم لما جاء به.

إن هؤلاء الشرفاء من النصارى هم من ذكرهم القرآن الكريم بكل خير وبكل تقدير وأكد على أنهم الأقرب مودة للذين آمنوا. هؤلاء الذين لم يستمرئوا الكذب ولم يستسيغوه لينحرفوا عن حقيقة المسيح وعما جاء به من الحق، بل كانوا متعطشين لتلك الشهادة التي تعيد الاعتبار للمسيح أمام من اتهموه وظلموه. ولكن الخبثاء من المسيحيين من الذين نهجوا منهج بولس، وعملوا لزيادة مجد إلهه الذي يترعرع على الكذب، نكروا هذا المعروف ولم يقدروا تلك الشهادة. ثم سرعان ما تحولوا للارتماء في أحضان اليهود الذين ما انفكوا يعتقدون أن إلههم ليس سوى ابن زنا مهرطق مجدف على الله، وعملوا على مهاجمة الإسلام العظيم بسبب حقدهم الأعمى.

ومن العجيب أن تصف الأحاديث فتنة مسيحية بولس التي ستتعاظم في آخر الزمان بفتنه المسيح الدجال! ومن العجيب أن يكون الإنذار القرآني المتعلق بالدجال يلخص الأمر في قوله تعالى:

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (5) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (6)الكهف

نعم.. إن يقولون إلا كذبا..تلك هي مسيحية بولس التي تقوم على الكذب جملة وتفصيلا. ولكننا لا نتهم كل المسيحيين بالكذب ولا نقول إنهم جميعا هم المسيح الدجال. بل الدجال هو من نسجوا الأكاذيب وسعوا إلى ترويجها وحاولوا بكل صفاقة طمس نور الإسلام العظيم. ولعل من أسباب عدم التصريح في الأحاديث بأن الدجال سيكون المسيحية في آخر الزمان هو أن أكثر المسيحيين في ذلك الوقت لم يكونوا كهؤلاء. كما أن البقية الباقية من المسيحيين الشرفاء في هذا الوقت ليست من الدجال أيضا. ولعل الواجب على هؤلاء الشرفاء أن يُعلوا من صوتهم كي لا يعلو صوت المسيح الدجال الذي يريد أن يلحق العار بالمسيحية بمجملها.

على المسيحيين أن يتذكروا أن الحق يحررهم، هذه الجملة التي أصبحت مضغة على ألسنة الدجالين دون أن يعملوا بها. فعلى كل فرد منهم أن يتحرى مكانه ليرى في أي جانب يقف؛ هل هو مع الدجال أم مع شرفاء المسيحية. وهنالك معيار بسيط لمعرفة ذلك؛ فكل فرد عليه أن ينظر فيما يأمره به أحباره ورهبانه؛ فإن وجدهم ملتزمين بالصدق ولا يحيدون عنه مطلقا، ولا يستخدمون أساليب ملتوية، فعليه حينها أن يطمئن، لأن الله لن يضيعه. أما إن وجدهم كاذبين فاسدين مفسدين، وإن وجدهم يأمرونه بالكذب ويطلبون منه المشاركة .
فيه، فعليه أن يعلم حينها أنه يعمل في سبيل إعلاء مجد إله بولس القائم على الكذب."

منقول
الأحد، 20 مايو 2012

بدعة المحلّل

بدعة المحلّل



لقد ملأ المُسحاء الدجالون الدنيا ضجيجاً حول ما يُسمّى بآية "التحليل" عند المسلمين والآية الكريمة نصّها (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة/230  بأن ذلك يشيع الفاحشة بين الناس وكأن الإباحية والتفكك الأسري والمفاسد الأخلاقية التي تجتاح العالم اليوم لم يكن مصدرها شعوبهم ومجتمعاتهم المنحلّة بل والعياذ بالله قد نبعت من الإسلام وهذه الآية بالتحديد وأنهم أي المُسحاء الكذبة -الذين قالوا اتّخذ اللهُ ولداً- هم أهل العفاف والطهر.


" قال الله تعالى في محكم التنـزيل: مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ  (المائدة: 6)، وقال: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (الحج: 79). وقال: مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ (الأحزاب: 39). وقال: لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ (الأحزاب: 51).

معنى الآيات:  أن الأحكام الفقهية التي أمرنا الله تعالى بالتقيد بها ليس فيها أي حرج علينا، وليست بشاقّة، وليست الغاية منها عقوبتنا، بل مصلحتنا وخيرنا وفلاحنا وصلاحنا.

وبالتالي فإن أي رأي فقهي كان فيه حرج واضح، فلا بدّ أن يكون تفسيرًا خاطئًا لآية، ولا يمكن أن يكون المدلول الصحيح لهذه الآية. أو هو استدلال بحديث ضعيف.

إن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج. ولكن بعض الفقهاء أوقعوا الناس في حرج من خلال اجتهاداتهم الخاطئة، فاضطروا للبحث عن مخرج من خلال التحايل على الشرع، واخترعوا لنا باب الحيل الشرعية.

فالحلّ أن نعود إلى تصحيح الخطأ في الاجتهادات التي تجعل على المسلمين حرجًا، وحينها ينتهي مبرر الحيل كلها، ونخلص مِن تبعات هذا الفكر على الأخلاق، لأن من يؤمِن بالحيل لا يؤمَن جانبه؛ فالخطورة في استساغة التحايل. ومَن تحايل على الشرع نفسه، فإنه يرى التحايلَ فصاحةً بدل أن يراه جريمةً.

كثيرةٌ هي الأحكام الفقهية التي أوقعوا أنفسهم في حرج في اختراعها، بينما هي في حقيقتها أحكام عظيمة لا حرج فيها، بل فيها خير ومصلحة. وليس هذا المقال لتتبعها، بل لضرب مثل على ذلك، وهو الطلاق البائن بينونة كبرى، وطريقة إعادة الزوجة المطلقة.
فالحاصل أن الاجتهاد الخاطئ المسبب للحرج قد أوقع الطلاق بمجرد التلفظ، مهما كان المطلق غاضبًا أو هازلا أو متوعدًا أو معلِّقًا طلاقه على حدوث شيء ووقوعه. وكعادتهم يستدلون بحديث ضعيف، ويتركون الآية القرآنية. فالحديث الذي استدلوا به هو (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ؛ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ). (الترمذي، الطلاق واللعان). مع أن مداره على عَبْد الرَّحْمَنِ بْن حَبِيبِ بْنِ أَرْدَكَ، وهو منكر الحديث كما وصفه النسائي. ولم يُروَ عنه أي حديث غير هذا في الكتب التسعة.

 وأما الآية فهي قوله تعالى (وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (سورة البقرة:228). ولم تقل وإن هزلوا في الطلاق، أو علَّقوه على شرط.

فالطلاق لا بدّ له من عزم وقرار وتصميم ومراجعة، بحيث لا يتم إلا بوجود شهود، وعند القاضي. ولا يقع بمجرد التلفظ به أو التهديد بإيقاعه إذا لم يتحقق شيء ما.

أما الطلاق ثلاث مرات في كلمة واحدة، فهذا هزل ومسخرة. فالطلاق يقع مرة واحدة في الوقت الواحد. وحتى لو قال الرجل: طلقتك مائة مرة، فلا تُحسب إلا مرة واحدة. وبعد هذه التطليقة تدخل مرحلة العِدَّة، فإن انتهتْ، فيمكن لها أن تتزوج شخصا آخر، ويمكن للرجل أن يعيدها في العِدّة من دون عقد جديد. وإذا انتهت العِدّة فلا بد له من عقد إن رضيت بالعودة. وحينها تُحسب طلقة واحدة. فإن طلقها ثانية بعد الرجوع في العدة أو بعد العقد الجديد، تحسب طلقة ثانية، ويمكن له أن يعيدها كما في الحالة السابقة، فإن طلقها ثالثة فلا تحل له.

ولكن الله الذي لا يريد أن يجعل علينا من حرج، فتح بابا للعودة، وهو أن هذه المرأة إن تزوجت بآخر، ثم مكثت عنده فترةً، فإنها بهذه الحالة تكون قد ازدادت تجربة وخبرة، ويمكنها حينذاك أن تعرف سبب الخلاف مع الزوج الأول، وفيما إذا كان الخلاف بسببها أم بسببه. فإن كان بسببه، فإنها تظل مع الثاني إلى الأبد. وإن كان بسببها، ولم يستطع الثاني أن يتأقلم معها، وقرّر تطليقها، ثم هي اعترفت أنها قد أخطأت مع الأول، وقررت التخلّي عن سلوكياتها وعاداتها التي تستفز الزوج، فإنه يمكن لها أن تتزوج الأول إن طلبها، وبهذا تكون قد أخذت درسًا مفيدًا.

لذا فإن أي تلاعب وتحايل في الزواج الثاني يعتبر استخفافًا بأوامر الله، وعقوبتُه عند الله وخيمة.

إذا، فإن القائلين بشكلية الزواج الثاني اضطروا له اضطرارا حينما فتحوا على أنفسهم باب الطلاق الهزلي. فقالوا: إن خرجت من فم الزوج كلمة الطلاق من دون قصد، وندم على ذلك، وكان الشرع يحرم عليه العودة إلا بزواج مطلقته من آخر، فلا بد من استئجار شخص يدخل على زوجته بعقد صحيح، ثم يطلقها لتصبح حلالا للأول. وقد اختلفوا في شروط هذا المحلل اختلافات يملّ المرء من قراءتها كل الملل.

لنعُد إلى فقهنا البسيط الخالي من الحرج المنـزه عن الحيل والتحايل والخداع، فنقول: الطلاق لا يقع بمجرد التلفظ، بل لا بدّ فيه من عزم وتصميم. والتحايل في الزوج المستعار جريمة عند الله، لأنه تحايل على شرعه العظيم.

لكن، من أين أتوْا بالتحايل؟ وما هو دليلهم عليه؟ هذا ما نجده في المقال السابق بعنوان: الحيلة الشرعية! "


جاء في "التفسير الكبير" لمولانا الجليل ميرزا بشير الدين محمود أحمد (رضي الله عنه) ما يلي: "والحديث الشريف عن عائشة (رضي الله عنها) أن رجلاً طلّق زوجته ثلاثاً، ثم تزوجها غيرهُ وطلقها من قبل أن يمسها، فرأى زوجها الأول أن يتزوجها، فسئل رسول الله عن ذلك فقال ( لا ينكحها الأول حتى تذوق عُسَيْلَتَهُ و يذوق عُسَيْلَتَها. (مسلم، الطلاق).. أي حتى يتم جماعٌ بينها وبين الزوج الثاني، ثم يحدث الطلاق بينهما لسببٍ ما، عندئذ تحل هذه للزوج الأول.

وللأسف إن المسلمين في زمن انحطاطهم ابتدعوا- الى جانب البدع الكثيرة الأخرى- بدعة التحليل الشنيعة.. أي أن بعد حصول الطلاق البات احتالوا حيلةً يمكنون بها الزوج الأول من الزواج من مطلقته مرة أخرى .. وذلك بأن يعقدوا لهذه السيدة على رجلٍ آخر ليبيت معها ليلةً و يجامعها، وفي الصباح يطلّقها لتعود الى زوجها الأول. ولكن الإسلام حرّم هذا الطريق ولعن من يقوم بهذه البدعة.. بدعة التحليل. وقد ورد في الحديث أن النبي (صلّى الله عليه وسلّم) قال (لعن اللهُ المحلِّل و المحلَّل له) (الترمذي، النكاح). فلا مكان لبدعة التحليل في الإسلام. إنما يقضي الشرع الإسلامي أنه إذا تم الطلاق الثالث بين الزوج و زوجته فلا تحل له مطلقاً إلّا في حالة معينة: أن تتزوج هذه السيدة زواجاً شرعياً مع زوج جديد، وتعيش معه في بيته، ثم إذا طلقها هذا الزوج أو مات عنها فللزوج الأول أن يتزوجها زواجاً جديداً بمهرٍ جديد وبرضاء أوليائها.. وبدون ذلك لا يجوز أن يتزوجها." انتهى كلام مولانا (رضي الله عنه).

نفهم من هذا أن الإسلام العظيم يحرم هذا الزواج العبثي ويعده بدعة دخيلة على الدين الحنيف بل ويلعن كل من يلجأ إليه و يعتقد به. إن اولئك القسس والقمامصة يحاولون بكل يأس أن يجدوا شرخاً في الإسلام العظيم حتى يحرفوا أبناء هذا الدين الجميل عن جادّته واللجوء الى عقيدة الثالوث الذي عجز جميع مفسري الكتاب المقدس وعلماء المسيحية عن تفسيره وخلصوا أنه سر من الأسرار المقدسة ولا يمكن شرحه وتوضيحه بأي حال من الإحوال، والفداء الظالم والكفارة الخرافية المنسوبة جوراً الى السيد المسيح (عليه السلام) بأنه إله متجسد حاشا لله وتعالى عما يصفون. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


مسلم لله
الجمعة، 18 مايو 2012

الميثولوجيا والدجال

الميثولوجيا والدجال




نتناول في هذا المقال إثبات خطأ الفكر التقليدي المتعلق بالدجال والذي يعتمد على الأخذ بظاهر النصوص , ونثبت حتمية تأول تلك الروايات المتعلقة بالدجال . وذلك من خلال استعراض رواية وردت في مسند احمد تتحدث عن الدجال , وتطبيق سمات الأسطورة على هذه الرواية يوضح أن الأخذ بظاهرها يجعلها أسطورة لا ريب فيها .

قال الإِمام أحمد، حدثنا محمد بن سابق، أخبرنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن  جابر بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج الدّجالُ في خِفَّةٍ مِنَ الدِّين وإِدْبَارٍ من العِلم وله أربعون ليلَةً يَسْبَحُهَا في الأرض اليومُ منها كالسنةِ، واليوم منها كالشهر. واليوم منها كالجُمُعَةِ، ثم سائر أيامه كأيامكم هذِهِ وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذِراعاً، فيقول للناس: أنا ربّكم وهو أعورُ وإِن ربكم ليس بأعْوَرَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَفَرَ بِهَجَاءٍ يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِن كاتب أوْ غير كاتب يَرد كلَّ ماءٍ ومنهل إلا المدينةَ ومكّةَ حًرّمهمَا الله عليه وقامَت الملائكةُ بِأبْوابِهما ، ومعه جبال من خبز والناس في جهد الأمن اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منهما نهر يقول له الجنة ونهر يقول له النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهي الجنة قال: وسمعت معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة يأمر السماءَ فتمطر فيما يَرَى الناسُ ويقتل نفساً ثم يُحييها فيما يرى الناس،ويقول للناس: هل يفعل مثلَ هذا إلا الرّبُّ? قال فيفِدُ المسلمون إلى جبل الدخان بالشام فيأتيهم فيحاصرُهُم فَيُشثدُ حِصَارهم ويُجْهِدُهم جُهداً شديداً، ثم ينزل عيسى ابن مريم  فينا من السًحَر ِفيقول: يا أيّها الناس ما يمنعكم أن تخرجوا إلى الكذاب الخبيث? فيقولون: هذا رجل حي فينطلقون فإذا هم بعيسى ابن مريَم فتقام الصلاة، فيقال له تقدم يا روحَ الله، فيقول: لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ لِيُصَلِّ بِكُمْ فإذا صلّوا صلاة الصبح خرجوا إليه، قال فحين يراه الكذابُ يَنْماثُ كَمَا يَنْمَاثُ المِلْحُ في الماء، فيمشي إليه فيقتلُه حتى إن الشجرةَ والحجرَ ينادي يا روحَ الله هذا يهوديٌّ فلا يَتْرُكَ مِمَّنْ كَانَ يَتبعُه أحداً إِلاَّ قَتَلَه تفرّد به أحمد أيضاً. وقد رواه غير واحد عن إبراهيم.

إسناده على شرط مسلم 

تحليل الحديث السابق

من خلال استعراض هذا الحديث يتبين انه قد انطبقت عليه كل سمات الفكر الأسطوري المتعلق بـ :
1-السمات الخاصة بالتعبير الأسطوري
2-السمات الخاصة بمكونات وعناصر الأسطورة
3-السمات الخاصة بالفكر الأسطوري

أ‌-    القصة المقدسة ( فكر أسطوري)
إن أبرز ما يميز الفكر الأسطوري هو الارتباط الوثيق بالدين . فقد كانت الأسطورة فى أبسط أشكالها تتضمن بعض الدوافع التي تعد بمثابة تباشير لمثل دينية عليا , ومن هنا تحمل طابع القداسة .ويعتقد الباحثون أن الأسطورة يجب أن تُفهم كظاهرة دينية ولا يمكن أن تُفَسر مطلقاً بمصطلحات غير دينية . فيذكر ( ميرسيا إلياد ) أن من خصائص الأسطورة أنها قصة مقدسة تتكون من أفعال قامت بها كائنات عُليا , وتتعلق دائماً بخلق شيء جديد.كذلك يذكر ( كاسيرر) أن الخيال الأسطوري ينطوي على العقيدة , وبدونها تفقد الأسطورة أرضيتها .
ولو نظرنا إلى الرواية السالفة الذكر لوجدنا أنها تتوفر فيها هذه الخاصية من خصائص الفكر الأسطوري , فأساس الرواية هو البُعد الديني , حيث أن الرواية وغيرها من الروايات لا تتحدث إلا عن أثر خروج الدجال على المسلمين فقط. بالرغم من أنها تذكر أنه يسيح الأرض كلها ولا يترك موطأ قدم إلا أتى عليه . كذلك ذكرت أن هناك اختلافان واضحان بين الله ومدعى الإلوهية وهو الدجال :
1-   أنه أعور
2-   مكتوب بين عينيه كافر
وأوضحت أن الذي يستطيع أن يقرأ هذه الكلمة على جبين الدجال هو المؤمن فقط سواء كان متعلم أو أميّ . ولم تقل الرواية يقرءوه كل شخص أو كل إنسان . ومن هنا يظهر البُعد الديني العقائدي فى الرواية .

ب - الشخصية الأسطورية ( مكونات الأسطورة)
تحدثنا هذه الرواية عن كائن لا يُعرف له اسم لكنها تطلق عليه لقب الدجال , كذلك لا يُعرف مكان ولادته أو تاريخ ولادته , كذلك لا يُعرف أي شيء عن مراحل حياته المختلفة , مما يوحى بأنه خلق أخر غير الإنسان والملائكة والدواب والحيوانات المعروفة .

ج – البعد عن التعليل والتحليل (تعبير أسطوري)
كذلك تخبرنا الرواية إن الدجال يخرج ولم تحدد سبب هذا الخروج الفجائي ,. أي أنها لا تقدم علة لخروج هذا الكائن , بل لا تقدم سببا لوجوده أصلا . وهذه سمة مميزة من سمات التعبير الأسطوري .

د – خاصية التعالي ( مكون أسطوري)
ثم تقول الرواية وله أربعون ليلَةً يَسْبَحُهَا في الأرض اليومُ منها كالسنةِ، واليوم منها كالشهر. واليوم منها كالجُمُعَةِ، ثم سائر أيامه كأيامكم هذِهِ وهنا تظهر سمة أخرى من سمات مكونات الأسطورة وهى التي يطلق عليها خاصية التعالي والتي تعنى أن الأسطورة تتعالى عن حدود الزمان والمكان والتجربة الواقعية .

هـ - المخلوقات الخرافية ( مكون أسطوري)
ثم تقول وله حمار يركبه عرض ما بين أذنيه أربعون ذِراعاً وهنا تظهر خاصية أخرى من سمات المكون الأسطوري وهى خاصية المخلوقات الخرافية . فإن هذا الكائن المسمى بالدجال له حمار يستعمله فى الانتقالات لكن يختلف تماما عن الحمار المعروف لدى جميع الناس , مما يوضح أن هذا الحمار هو مخلوق مختلف عن الحيوانات المعروفة فى عالمنا , وهو بلا شك كما تصوره الرواية مخلوق خرافي .
و - التمثيل الحسي ( تعبير أسطوري)
وتظهر خاصية التمثيل الحسي وهى من خصائص التعبير الأسطوري عندما تقول الرواية أن هذا الدجال عندما يخرج يقدم نفسه للناس على انه الإله المتجسد ويقول للناس أنا ربّكم ولكن توضح الرواية أنه ليس الرب بسبب أن عينه عوراء وأن الله ليس بأعور . وهنا تتجلى خاصية التمثيل الحسي بكل وضوح حيث لم تنفى الرواية أمكانية تجسد الله وإنما تنفى أن يكون الله له عين عوراء .وفى هذا الجزء أيضا تبرز سمة أخرى من سمات التعبير الأسطوري وهو أن الأسطورة لا تعطى المعنى الواضح الصريح .

ح - خاصية ازدواج الجوهر ( مكون أسطوري)
وتبدأ الرواية فى وصف الأشياء المصاحبة للدجال فتحدثنا عن " ومعه جبال من خبز والناس في جهد الأمن اتبعه، ومعه نهران أنا أعلم بهما منهما نهر يقول له الجنة ونهر يقول له النار، فمن أدخل الذي يسميه الجنة فهي النار، ومن أدخل الذي يسميه النار فهي الجنة قال: وسمعت معه شياطين تكلم الناس ومعه فتنة عظيمة يأمر السماءَ فتمطر فيما يَرَى الناسُ ويقتل نفساً ثم يُحييها فيما يرى الناس"، وهنا تتضح خاصية ازدواج الجوهر وهى إحدى خصائص مكونات الأسطورة ويعنى ازدواج الجوهر أنها تشتمل على مجموعة خاصة من الأفكار عن العالم , وفى نفس الوقت مجموعة من القصص عن أشخاص خيالية تعرض بصورة ملموسة الآلهة والأبطال .
وفى هذا الجزء من الرواية يظهر هذا الكائن الذي تسميه الرواية الدجال يظهر وكأنه هو الرزاق الذي يهب الناس الخبر ويطعمهم وكذلك يأمر السماء فتسقط مطرها فيشربون منه ويسقون أنعامهم وزرعوهم . ومن أتبع الدجال وآمن به دخل الجنة وهى إحدى الأنهار التي تتبعه . وإذا عصاه وكفر به دخل النار وهى النهر الآخر الذي يصاحبه .
وفى هذا الجزء أيضا تبرز خاصية أخرى من خصائص مكونات الأسطورة وهى تتعلق بالشخصية الأسطورية .يبرز البطل الأسطوري على أنه يمكن للناس أن يكونوا معاصرين له ويتعاملوا ويتكلموا معه بالرغم من أنه يظهر وكأنه مخلوق يختلف عنهم .

ط – التصور الدرامي للعالم ( فكر أسطوري)
فتقول الرواية قال فيفِدُ المسلمون إلى جبل الدخان بالشام فيأتيهم فيحاصرُهُم فَيُشثدُ حِصَارهم ويُجْهِدُهم جُهداً شديداً، ثم ينزل عيسى ابن مريم …………. فإذا صلّوا صلاة الصبح خرجوا إليه، قال فحين يراه الكذابُ يَنْماثُ كَمَا يَنْمَاثُ المِلْحُ في الماء

وهنا يظهر التصور الدرامي للعالم القائم على الصراع المحتوم بين الإنسان والقدر , والخير والشر , والأرض والسماء , فيظهر الكائن الشرير ( إله الشر) فيملأ الأرض فسادا وشرا فينزل الكائن الطيب ( إله الخير) فيحاربه فى معركة عظيمة وملحمة بديعة وينتصر عليه فى أخر المطاف , ويساعد إله الخير فى مهمته الأتباع المخلصين له من الناس أو غيرهم من الكائنات وقد ظهر ذلك فى هذه الرواية عندما تقول ، فيمشي إليه فيقتلُه حتى إن الشجرةَ والحجرَ ينادي يا روحَ الله هذا يهوديٌّ .
أذن فقد تجلت فى هذه الرواية كل السمات المميزة للأسطورة سواء السمات المتعلقة بالفكر الأسطوري أو التعبير الأسطوري أو مكونات الأسطورة .
كما تظهر فى رواية تميم الداري فى صحيح مسلم سمات الشخصية الأسطورية .
ك- نموذجية الشخصية الأسطورية (مكونات أسطورية)
فالشخصية الأسطورية شخصية مثالية أو نموذجية فى الأغلب تجمع بين خصائص وصفات متباينة وتتراوح بين الخير والشر . فيظهر فى هذه الرواية أن الدجال ليس شريرا فى ذاته بدليل أنه يقول أن الخير فى إتباع النبي صلى الله عليه وسلم , ومع ذلك فإنه عندما يخرج سوف يدعى بأنه هو الله , وبهذا فقد جمع بين الخير المحض والشر المحض .
كذلك من خصائص الشخصية الأسطورية أنها شخصية فائقة تفوق المعقول ذات جلال رائع وقوة غير مألوفة قادرة على تحدى الزمن .حيث وصفته الرواية بـ فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقا "

ل - البطل الموضوعي بمعنى ما قبل الذاتية ( مكونات أسطورية)
يظهر فى هذه الرواية أن الدجال هو رجل من البشر واقع تحت سيطرة الإله . فإنه – أي الدجال – يقص عليهم ما الذي سيقوم به وما الذي لا يجب أن يقوم به , فهو يخبرهم عن ذهابه إلى كل أنحاء الأرض , ولكن لا يجب عليه أن يدخل مكة أو المدينة حيث أن عليها ملائكة تحرسها . وهذا ما يسمى بالبطل الموضوعي بمعنى ما قبل الذاتية أي أن إرادته وعقله ليستا ملكه لأنه غير واع ولأنه واقع تحت سيطرة الإله الذي سخره لهذه المهمة ولذلك صورته هذه الرواية والقيود فى يديه وقديمه ومحبوس فى جزيرة داخل دير .

الخلاصة
وبعد أن أوضحنا انطباق سمات الأسطورة على هذه الرواية , والتي يمكن تطبيقها أيضا على روايات أخرى . فلو أصر المشايخ على الأخذ بظاهر هذه النصوص وعدم تأويلها فليس أمامنا إلا أن نقول أن فكرة ظهور الدجال ما هي إلا أسطورة لا يمكن أن تكون قد صدرت عن الذي لا ينطق عن الهوى . وبالتالي ينهار كل علم الحديث والحرج والتعديل ومعرفة الرجال لأن روايات الدجال متواترة وفى أعلى درجات الصحة وقد وردت فى صحيحي البخاري ومسلم , وعلى شرطهما فى كتب أخرى .

وللخروج من هذا المأزق يجب أن نقبل التفسير الأحمدي لهذه الروايات الذي ينأى بها ويخرجها من بحر سجل الأساطير ويكتبها فى سجل النبؤات التي تشهد بصدق النبي صلى الله عليه وأله وسلم .فلو كانت هذه الروايات فى كتب اليهود أو النصارى لاتخذها المسلمون مادة جيدة جدا لمهاجمة الكتاب المقدس ولكن بما إنها فى كتب المسلمين فلا يلتفتون إليها بل يعتبرونها جزء من الإيمان بالغيب . "

منقول
عربي باي