الموقع العربي الرسمي للجماعة الإسلامية الأحمدية

الثلاثاء، 3 ديسمبر 2013

طوفان نوح (عَلَيهِ السَلام)


طوفان نوح(عَلَيهِ السَلام) 


وردت قصة نوح عليه السلام في أكثر من موضع في القرآن الكريم، إلا أن الموضع الذي يذكر أكثر التفاصيل هو ما ورد في سورة هود (26-49) فضلا عن المواضع الأخرى في القرآن الكريم التي تفيد أمورا أخرى هامة جدا.

وللقصة تفاصيل كثيرة إلا أنني سأحاول التركيز على أهم المواضع التي وقع التفسير التقليدي في أخطاء فيها. ومن أراد الاستزادة فيمكنه مراجعة التفسير الكبير، المجلد الثالث، للخليفة الثاني رضي الله عنه، والذي سيكون متوفرا في المستقبل على هذا الموقع إن شاء الله.

إن أهم ما وقع فيه التفسير التقليدي من أخطاء هو الاعتقاد بأن الطوفان كان قد غمر وجه الأرض جميعها وقضى على كل بني البشر في ذلك الوقت بل وعلى كل الكائنات الأخرى. ثم ابتدأت الحياة من جديد على الأرض بنزول نوح وأبنائه من السفينة وبنزول الحيوانات والطيور الأخرى التي كانت على متن السفينة. والعالم اليوم جميعه في كل بقاع الأرض هو من ذرية نوح عليه السلام، كما أن كل المخلوقات والكائنات (البرية على ما يبدو!) هي من ذرية الزوجين اللذين حُملا على سفينة نوح عليه السلام!

ولا بد من الإشارة بداية إلى أن مرجع هذه الأخطاء كان استناد التفسير التقليدي إلى رواية الكتاب المقدس التي تحتوي على كل تلك الخرافات.

والآن لنعد إلى ما يصرح به القرآن الكريم بكل وضوح حول قصة نوح عليه السلام. فيصرح القرآن الكريم بأن نوحا عليه السلام كان نبيا قد جاء إلى “قومه” كباقي الأنبياء، ولم يقل القرآن الكريم أنه كان نبيا للبشرية جمعاء. ولم يختلف خطاب القرآن الكريم حول قوم نوح عن غيرهم من الأقوام كقوم لوط أو قوم هود أو قوم صالح. وقد وردت قصة نوح عليه السلام في عدة مواضع من القرآن الكريم مقرونة بقصص الأنبياء الآخرين وأقوامهم دون وجود ما يميزها أو يدل أن قومه كانوا البشر جميعا. ووفقا للبيان القرآني المتكرر في مواضع متعددة، فإن قوم نوح عليه السلام كانوا قوما يعيشون في منطقة جبلية محدودة يبدو أنها الواقعة في شمال العراق الحالي وجنوب تركيا وما حولها.

وتصرح الآيات الكريمة أن عددا محدودا من الضعفاء قد آمنوا بنوح عليه السلام من هؤلاء القوم، وتكرر الآيات الجدال الذي حدث بين نوح عليه السلام وبين قومه بسبب ازدرائهم لهؤلاء الذين اتبعوه الذين يرونهم أراذل تافهين. وقد أعلم الله تعالى نوحا بأنه لن يؤمن من قومه “إلا من قد آمن” وأن الباقين سينالهم العذاب الأليم، فأمره أن يصنع الفلك بوحي من الله تعالى وبمساعدة هؤلاء المؤمنين. ووعد الله بنجاته مع أهله ومع الذين آمنوا.

وبعد أن جاء أمر الله تعالى وبدأ تساقط المطر وتفجر الينابيع، أمر الله تعالى نوحا أن يحمل معه ” مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ” و”أهله” و”المؤمنين” القلة الذين كانوا معه حيث يقول تعالى:
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (هود 41)

ويرى التفسير التقليدي أن معنى ” مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ” هو أنه أخذ من كل الدواب والحيوانات وهوام الأرض ذكرا وأنثى كي يتوالدوا فتعود الحياة مرة أخرى للأرض كما كانت بعد أن غمرها الطوفان المدمر الذي أهلك كل من عليها. ولنا أن نتخيل أن هذا لو حدث فعلا للزم أن تكون السفينة قارة بحد ذاتها لتستوعب زوجين (ذكرا وأنثى) من كل نوع من الدواب والحيوانات!!

ولكن الملفت للنظر أن الصيغة القرآنية ” مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ” تدل على أنه قد أُمر أن يأخذ جزءًا يسيرا من كل ما هو لديه من الحيوانات الداجنة التي ستفيده عندما ينحسر الطوفان. أي أنه لم يؤمر حتى بأخذ كل حيواناته وطيوره، بل زوجين من كل منها. ويبدو أن سوء الفهم نشأ من الظن أن “كل” تعني كل شيء على وجه البسيطة بتأثير القصة التوراتية التي تجعل الطوفان غامرا لكل الأرض. بينما الصحيح أنها تعني كل ما يخصك أو كل ما لديك، أي أنها نسبية وليست مطلقة. وقد ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى عن ملكة سبأ:

” إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ” (النمل 24) ولا أظن أن أحدا يقول إن هذا يعني أنها قد أُوتيت “من كل شيء” مطلقا! بل أنها أوتيت من أسباب الملك أشياء كثيرة.

وقد وقع بعض الارتباك أيضا في التفسير التقليدي في ما يتعلق بأخذه لأهله معه وقصة ابنه الذي غرق بسبب أنه لم يكن مؤمنا. ودون الخوض في الآراء حول هذه المسألة، نرى أن القرآن الكريم يؤكد أنه كان ابنه بالفعل، ولكن الله تعالى لم يعتبره من “أهله”. وظن نوح عليه السلام بأن الوعد يشمل هذا بصفته ابنه والابن هو من الأهل، ولكن الله تعالى قد صحح له هذا المفهوم بقوله:

“قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ” (هود 47)

فلم يقل الله تعالى مثلا: “إنه ليس ابنك”، بل قال “إنه ليس من أهلك” مؤكد جلَّ وعلا أن أهل النبي هم ليسوا من كانوا من صلبه ومن أقربائه فحسب، بل هم من اتبعوه وكانوا “أهلا” لتلك القرابة التي شرفهم الله بها، وإلا فلن يعتبروا من أهله حينها.

أما المسألة الأخيرة فهي الظن بأن كل من على الأرض من البشر قد هلكوا، وأن أبناء نوحٍ عليه السلام هم أجداد كل أهل الأرض، وهو ما يورده العهد القديم من الكتاب المقدس وما ينقضه القرآن الكريم نقضا تاما. فالقرآن الكريم قد أخبر عن المؤمنين الذين حملهم نوح في الفلك معه، كذلك صرح بأنهم قد هبطوا من الفلك معه ونشأت منهم أمم وأقوام حيث يقول تعالى:

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

كما تبين الآية أن هناك أقواما آخرين أيضا موجودين على سطح الأرض، لا علاقة لهم بما حدث مع نوح وقومه في وقت وقوع الطوفان، وهم ما زالوا ممتعين وينعمون ببركة الله تعالى وينتظرون اختبارهم وامتحانهم، فمن يعصِ الله تعالى منهم فسوف يمسه العذاب الأليم.

فأين هذا البيان القرآني الصريح من تلك الخرافات الواهية التي ما أنزل الله بها من سلطان؟

منقول

0 comments :

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

عربي باي